أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
186
العقد الفريد
ابن سيار ومجنون : وقيل : وفد أعرابي من شعراء المجانين إلى نصر بن سيار بشعر تغزل فيه بمائة بيت ، ومدحه ببيتين ؛ فقال له : واللّه ما تركت قافية لطيفة ولا معنى إلا شغلت به نسيبك دون مدحك . قال : سأقول غير هذا . فغدا عليه بشعر يقول فيه : هل تعرف الدار لأمّ الغمر * دع ذا وحبّر مدحة في نصر « 1 » فقال له نصر : لا ذا ولا ذاك . وقال بعض العلماء : ما شبّهت تأويل الرافضة في قبح مذهبهم إلا بتأويل رجل من مجانين أهل مكة للشعر ؛ فإنه قال : ما سمعت بأكذب من بني تميم ؛ زعموا أن قول القائل : بيت زرارة محتب بفنائه * ومجاشع وأبو الفوارس نهشل « 2 » . . . زعموا أن هذه أسماء رجال منهم ! قال بعض أهل الأدب : قلت له : وما عندك أنت فيه ؟ قال : البيت بيت اللّه ، وزرارة الحجر ، ومجاشع زمزم جشعت بالماء ، وأبو الفوارس هو أبو قبيس جبل مكة ! قلت له : فنهشل ؟ قال نهشل . . . ؟ وفكر فيه ساعة ، ثم قال : قد أصبته ؛ وهو مصباح الكعبة طويل أسود ؛ فذلك النهشل ! من أخبار مجانين دير هزقل : قال المبرد محمد بن يزيد النحوي : خرجنا من بغداد نريد واسطا ، فملنا إلى دير هزقل ننظر إلى المجانين ، فإذا المجانين كلهم قد رأونا ، ونظرنا إلى فتى منهم قد غسل ثوبه ونظفه وجلس ناحية عنهم ؛ فقلنا : إن كان فهذا فوقفنا به ، فسلمنا عليه فلم يردّ السلام ؛ فقلنا له : ما تجد ؟ فقال : اللّه يعلم أنني كمد * لا أستطيع أبثّ ما أجد « 3 »
--> ( 1 ) حبّر : كثب . ( 2 ) احتبى : جلس على اليته وضمّ فخديه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند . ( 3 ) ما أجد : ما عندي من الوجد .